مقدمة العدد الخاص حول

مقدمة العدد الخاص حول "مفهوم الدولة المدنية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: بين النص الدستوري والتطبيق"

قلَّ ما نجد في الحياة السياسية العربية المعاصرة مفهومًا استُخدم على نطاق واسع ومتباين بالتعريفات كما هو حال مفهوم "الدولة المدنية. " فقد تبنّت هذا المفهوم حركات إسلامية، وأحزاب علمانية، وحكومات انتقالية، ومجالس تأسيسية، ومتظاهرون في الشوارع –غالبًا دون اتفاق على معناه. فهو بمثابة شعار ثوري، ومبدأ دستوري، وساحة صراع أيديولوجي في آن واحد.

لكن قيامه بكل هذه الوظائف في الوقت نفسه لا يُعَدّ دليلًا على فقره المفاهيمي، بل يعكس بنيته الدلالية الخاصة: فهو واسع بما يكفي لتكوين التحالفات، وغير محدد بما يكفي لاستمرار الخلافات، وذو حمولة سياسية كافية ليؤثر في أي سياق تظل فيه قضايا السيادة والدين والسلطة الشرعية غير محسومة.

تحت عنوان "مفهوم الدولة المدنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: بين النص الدستوري والممارسة،" يتمحور هذا العدد الخاص حول مفهوم الدولة المدنية كموضوع مركزي للاستقصاء المعرفي. ويأتي هذا العدد ثمرة تعاون بين مجلة القانون الدستوري في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا – وهي مجلة محكّمة بنظام المراجعة المزدوجة المجهولة، تديرها المنظمة العربية للقانون الدستوري– ومشروع "المدنية والشرعية في العالم العربي" في كلية لندن للاقتصاد. و ينبثق هذا العدد الخاص عن ورشة عمل إقليمية عُقدت في مدريد في شباط/فبراير 2025.

تقوم إحدى الفرضيات الأساسية لهذا العدد على أنه لا ينبغي فهم "الدولة المدنية" بوصفها نموذجًا دستوريًا ثابتًا حققته بعض الدول فيما تزال دول أخرى تسعى إلى بلوغه، بل بوصفها مفهومًا متنازَعًا عليه ومرتبطًا بالسياق، تتبدّل دلالاته تبعًا للتوجهات السياسية، والبيئة المؤسسية، والسياق التاريخي. وكما تُظهر الدراسات الواردة في هذا العدد، يتجلى المفهوم في آنٍ واحد كنموذج مثالي (بالمعنى الفيبري) وكحقل مفتوح للتنازع المعياري والسياسي المستمر. ويتناول المؤلفون هذا المفهوم من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة: أصوله الفكرية، وتوظيفه من قبل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، وتحويله –أو تحريفه– في سياق الممارسة الدستورية والسياسية.

الأسس المفاهيمية والنظرية

نستهل العدد بثلاث دراسات موضوعية تؤسِّس للإطار المفاهيمي.

يفتتح الدكتور حسام الدين درويش هذا المحور بدراسة تأسيسية تحت عنوان "الدولة المدنية في الفكر العربي: مقاربة مفاهيمية وتاريخية." يوظّف الباحث تاريخ المفاهيم، والتحليل المفاهيمي، وقراءة تفكيكية دريدية للكشف عن الأبعاد الدلالية والتداولية لمفاهيم "الدولة،" و"المدنية،" و"الدولة المدنية،" متتبعًا نشأتها ومسارات تطورها وتحولاتها في الفكر العربي. وينطلق الدكتور درويش من مفهوم الدولة نفسه، وهو مدخل أغفلته إلى حد كبير النقاشات العربية التي انشغلت بالصفة أكثر من انشغالها بالموصوف. فقد ظل الخطاب الفكري العربي، الذي هيمنت عليه طوال معظم القرن العشرين أطر فوق وطنية كالقومية العربية والإسلام السياسي والإيديولوجيات الاشتراكية، متأخرًا في بلورة تصور نظري للدولة بوصفها كيانًا قائمًا بذاته. ولم يبدأ هذا الاشتباك المفاهيمي المنهجي إلا منذ ثمانينيات القرن الماضي، مع مفكرين مثل عبد الله العروي وبرهان غليون وعزمي بشارة، الذين دعوا إلى بناء نظرية علمية للدولة باعتبارها شرطًا لازمًا للتفكير في الديمقراطية.

يُظهر الدكتور درويش أن مصطلح "المدنية" يحمل في العربية الحديثة معاني متعددة وغير متطابقة دائمًا؛ إذ يُستخدم للدلالة على ما يُعرف اليوم ب"العلماني" (أي المؤسسات غير القائمة على أساس ديني)، كما يُستخدم للدلالة على المعنى "الحضاري" المرتبط بالتقدم والتحرر من الإكراه. وتبرز في الاستعمال العربي ثنائيات متعددة بين "المدني" و"الديني"، و"المدني" و"العسكري،" و"المدني" و"الأهلي،" من دون أن تتطابق هذه التقابلات أو تتداخل بصورة كاملة. ومن ثمّ، يجمع المفهوم بين حمولة معيارية إيجابية من جهة، واضطراب دلالي من جهة أخرى. ويجادل الباحث بأن "المدنية" ينبغي فهمها بوصفها مفهومًا معياريًا كثيفًا ومحلّ نزاع بطبيعته؛ أي مفهومًا لا يمكن اختزاله في تعريف واحد، من دون أن يكون في الوقت نفسه خاليًا من المضمون. وما يمنح هذا المفهوم قيمته التحليلية هو إمكان رسم خريطة دقيقة لتوتراته الداخلية، على أن تُفهم هذه التوترات بوصفها نتاجًا تاريخيًا لا مجرد تناقضات عرضية.

في دراسته "وجهات نظر إسلاموية حول مفهوم الدولة المدنية في العالم العربي،" يحلل الدكتور عزام القصير الطرق المتنوعة التي تتفاعل من خلالها الحركات الإسلاموية مع مفهوم الدولة المدنية. ينطلق القصير من ملاحظة عملية مفادها أن الفاعلين الإسلاميين لم يطوّروا موقفًا متماسكًا أو مؤسسًا نظريًا تجاه هذا المفهوم، إذ يميل تعاملهم معه إلى البراغماتية والتكيّف مع السياقات السياسية، ويتشكل غالبًا وفق اعتبارات استراتيجية أكثر من كونه تعبيرًا عن التزام أيديولوجي ثابت. ومع ذلك، سعت بعض التيارات الإصلاحية –بما في ذلك حركات أعادت تموضعها كأحزاب ديمقراطية ذات مرجعية إسلامية عقب الربيع العربي– إلى التوفيق بين الحكم المدني والإطار المرجعي الإسلامي ("المرجعية"). وترى هذه التيارات أن الدولة المدنية لا تتعارض مع الإسلام، انطلاقًا من أن المؤسسات البشرية جميعها هي، بحكم تعريفها، مؤسسات مدنية؛ ومن ثمّ فإن الإشكال لا يكمن في "مدنية" هذه المؤسسات، بل في مصدر شرعيتها وحدود سلطتها. في المقابل، ترفض تيارات أخرى هذا المفهوم باعتباره استيرادًا غربيًا لا ينسجم مع مبدأ السيادة الإلهية.

ويتناول القصير في تحليله حالة هيئة تحرير الشام في سوريا، بوصفها مثالًا يُجسّد إشكالية أوسع تتمثل في الاستحواذ على اللغة المدنية وتوظيفها كأداة لإضفاء الشرعية على أنماط جديدة من السلطوية. فمنذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، تبنّت هيئة تحرير الشام مفردات إدارية ومؤسسية مستمدة من خطاب الحكم المدني –مثل "الإدارة المدنية،" و"سيادة القانون،" و"الأطر المؤسسية"– في الوقت الذي احتفظت فيه بسيطرة مركزية عبر أجهزتها الأمنية والدينية. وهكذا تتعايش اللغة الشكلية للدولة المدنية مع بنية سلطة مركزية غير خاضعة للمساءلة. وتكشف هذه الحالة عن احتمال يتكرر في عدد من الدراسات في هذا العدد، مفاده أن خطاب الدولة المدنية يمكن أن يُوظَّف بصورة استراتيجية لا لتقييد السلطة، بل لإضفاء الشرعية عليها، بما يفضي إلى إنتاج شكلٍ جديد وأكثر تعقيدًا من السلطوية تحت غطاء المصطلحات المدنية، وهو ما يصفه القصير بأنه نمط متقدّم من الحكم الاستبدادي يتخفّى خلف لغة مدنية.

في دراستها "موقف حركات الاحتجاج الاجتماعي والمجتمع المدني في العالم العربي من الدولة المدنية،" تُدرج الدكتورة شيماء ماغد مفهوم الدولة المدنية ضمن إطار الاقتصاد السياسي للسلطوية العربية. وتطوّر ماجد حجةً بنيوية مفادها أن انتفاضات الربيع العربي صاغت مطالب منسجمة مع مبادئ الدولة المدنية، بما في ذلك الحقوق السياسية، والحريات العامة، والعدالة الاجتماعية، والمساءلة. غير أن هذه المطالب اصطدمت بعوائق سياسية ومادية راسخة، تتمثل في مؤسسات عسكرية تستند شرعيتها إلى سرديات القومية الثورية التاريخية، واقتصادات ريعية تربط بقاء النخب بالاعتماد على الخارج، ومسارات تاريخية لتشكّل النخب السياسية رسّخت من خلالها الطبقات الحاكمة سلطتها بما حال دون قيام حكم مدني فعلي. وبالاستناد إلى حالات مصر وتونس وسوريا وليبيا وعدد من دول الخليج، تجادل بأن غياب الدولة المدنية في العالم العربي لا يعود إلى غموض المفهوم، بل إلى عدم إتاحة الشروط اللازمة لقيامها كي تتشكل بصورة منهجية.

دراسات حالة قطرية

وينتقل العدد من هذه الأسس الموضوعية إلى ست دراسات حالة قطرية، تتناول كل منها كيفية تجلّي التوتر بين تطلعات الدولة المدنية والواقع السياسي عبر سياقات دستورية وتاريخية محددة.

في دراسته "الدولة المدنية في لبنان كنتيجة حتمية للتعددية الطائفية،" يقدّم وسام اللحام طرحًا مخالفًا للسردية السائدة، يتحدى فيه الافتراض القائل إن الطائفية تتعارض بطبيعتها مع الدولة المدنية. إذ يرى أن لبنان يُعد، من حيث تصميمه الدستوري، هو دولة مدنية بالفعل؛ فمصدر السيادة فيه هو الشعب وفقًا للنص الدستوري، والتشريع ذو طبيعة وضعية، ولا تمتلك أي سلطة دينية حق النقض على العملية التشريعية. وفي هذا الإطار، تُفهم الطائفية بوصفها آلية إدارية لتنظيم التعدد، لا كمبدأ تأسيسي في البنية الدستورية. وعليه، فإن استمرار الممارسة الطائفية لا يُعزى إلى خلل في البنية الدستورية ذاتها، بل إلى ديناميات الممارسة السياسية وحالات التعطيل التي تُشوّه تفعيل الضمانات الدستورية ذات الطابع المدني وتقيّده. وبذلك، تُعقّد الحالة اللبنانية السرديات التبسيطية السائدة، عبر التمييز بين صيغة دستورية مدنية من حيث التصميم وواقع سياسي غير مدني من حيث الممارسة، بما يسلّط الضوء على الفجوة البنيوية بين الإطار المؤسسي الرسمي والتطبيق السياسي الفعلي.

يقدّم الدكتور إبراهيم درّاجي والدكتورة ريم تركماني في دراستهما "مدنية الدولة في سورية: الجذور المبكرة لتقييد المجتمع المدني (1918–1958)" مقاربة تاريخية طويلة المدى لمدنية الدولة من خلال تتبع علاقة الدولة والمجتمع المدني، إذ يتتبعان الجذور البنيوية لضعف المجتمع المدني في سوريا إلى العقود التأسيسية للدولة السورية الحديثة، محلِّلين الكيفية التي تضافرت بها الآليات القانونية والإدارية والسياسية، عبر أنظمة حكم متباينة، في إفراغ المجال العام المدني من مضمونه. وتحدّد الدراسة ثلاث آليات رئيسية اعتمدتها الدولة السورية بصورة متكررة لتقييد العمل المدني المنظّم. أولًا، الحلّ العام والمتكرر للأحزاب والتنظيمات السياسية، وهي ممارسة نُفِّذت أربع مرات بين عامي 1925 و1958، خلال فترة الانتداب الفرنسي، ثم في ظل الأنظمة العسكرية المتعاقبة لاحقًا. ثانيًا، الاستنزاف المنهجي للموارد البشرية في المجال المدني، عبر حظر واسع النطاق وغالبًا شبه مطلق للنشاط السياسي على موظفي الدولة والطلاب، وهما الفئتان اللتان شكّلتا تاريخيًا القاعدة التنظيمية الأساسية للمجتمع المدني. ثالثًا، التقنين القانوني للسلطة التنفيذية عبر تشريعات منحت السلطات السياسية صلاحيات واسعة في الترخيص والإشراف والحلّ والمعاقبة لأنشطة الجمعيات والتنظيمات. وبذلك تعاملت الدولة باستمرار مع التنظيم المدني بوصفه مجالًا يُدار أو يُستوعب أو يُقمع، لا بوصفه شريكًا في الحياة العامة. ومن ثمّ، فإن هشاشة المجتمع المدني السوري المعاصر لا تُعد تطورًا حديثًا، بل نتيجة مسار تاريخي ممتد على مدى قرن من الزمن.

في "مدنية الدولة: في المسارات الدستورية التونسية بين الصريح والمبطن،" تحلل الدكتورة كوثر دباش المسار الدستوري التونسي بوصفه مشروعًا طويل الأمد لـ"الدولة المدنية" ذو مسار متنازَع عليه. وقد بدأ هذا المشروع قبل أي دستور مكتوب، إذ أسّس "عهد الأمان" لعام 1857 مبدأ المساواة بين الرعايا بغض النظر عن الدين. أما دستور 1959، فقدّم ما تسميه دباش "إقرارًا صامتًا"، إذ تم دمج المبادئ المدنية ضمنيًا بدل النص عليها صراحة. وفي ظل هذا الإطار، حقق التشريع التونسي تقدمًا ملموسًا: فقد جرّمت "مجلة الأحوال الشخصية" تعدد الزوجات وأقرت الطلاق القضائي، وتم تحرير قوانين الملكية تدريجيًا من نظام "الوقف،" كما تم توحيد القضاء عام 1957. ثم جاء دستور 2014 ليجعل "الدولة المدنية" صريحة، مُحبطًا محاولة حركة النهضة إدخال "الشريعة" كمصدر للتشريع. أما دستور 2022 فمثل قطيعة في هذا المسار، إذ إن إدخال "مقاصد الشريعة" غيّر من سلطة التأويل على النظام الدستوري، وخلق ظروفًا يمكن من خلالها الطعن في الأسس المعيارية لـ"الدولة المدنية" من داخل النص نفسه.

في "رهانات علمنة المجال السياسي في المغرب،"يبحث الدكتور محمد الطوزي في الآثار المفارقة للإصلاحات الدستورية التي تم اعتمادها في 2011. فقد عزّز دستور 2011، من الناحية الشكلية، مبدأ سمو الدستور وأخضع الظهائر الملكية لرقابة القضاء، غير أنه في الوقت نفسه رسّخ الأسس الدينية لسلطة الملك. إذ أصبح دور الملك بصفته "أمير المؤمنين" –بموجب الفصل 41 – هو السلطة الوحيدة التي يمارسها بشكل مستقل عن باقي المؤسسات الدستورية. وهكذا فإن الإصلاح الدستوري لم يُضعف الاحتكار الديني للملك، بل عزّزه وأعاد إنتاجه ضمن إطار دستوري جديد. ويُعَدّ تحليل الدكتور الطوزي لعملية "بيروقرطة الدين" في عهد محمد السادس من أبرز إسهامات هذا العدد، إذ يصف مشروعًا إداريًا عقلانيًا أعاد تنظيم المجال الديني عبر تقنيات الإدارة العمومية، ومؤشرات الأداء، وإصلاح أنظمة تكوين العلماء، بما أدى إلى تحويل السلطة الدينية المستقلة إلى وظيفة من وظائف الدولة. وتجسّد الواقعة اللافتة التي يوردها الباحث –الحوار بين وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية ورئيس الحكومة السابق عن حزب العدالة والتنمية حول ما إذا كان المغرب دولة علمانية– هذا التوتر المفاهيمي. إذ لجأ الوزير إلى استخدام كلمة "secularism" بالإنجليزية لتفادي الدلالة السلبية لمصطلح "العلمانية" بالعربية، وهو ما يكشف عن درجة الاضطراب المفاهيمي التي تنتجها الترتيبات الدستورية المغربية بدل أن تحسمها.

في دراستها "الدستور بين‘المدني‘والدولة: قراءة في الحالة المصرية،" تتناول الدكتورة هبة رؤوف عزت الحالة المصرية من منظور مفاهيمي واسع. وبدل أن تتعامل مع الدولة المدنية كفئة مستقرة يمكن تحديدها أو نفيها داخل النصوص الدستورية، تبدأ الباحثة بتساؤل أعمق حول إمكانية أن تكون الدولة نفسها “مدنية” بالمعنى الدقيق، نظرًا لأن السيادة تتضمن، بحكم تعريفها، القدرة على إعلان الاستثناء وممارسة القوة القسرية بما يتجاوز المجال المدني. من هذا المنطلق، ترى عزت أن "المدني" يُفهم بصورة أفضل كفضاء مركّب يشمل الفضائل المدنية، والحقوق المدنية، والمجال العام، والمصالح المشتركة، وهو فضاء تعمل فيه الدولة لكنها ملزمة بحمايته لا باستهلاكه أو الهيمنة عليه. وفي هذا الإطار النظري، تُظهر الدكتورة عزت أن تقنين الشريعة الإسلامية، الذي يُنسب عادة إلى توظيف السادات للشرعية الدينية في سبعينيات القرن الماضي، يعود في الواقع إلى فترة أسبق خلال حكم عبد الناصر، إذ أُنشئت لجنة تقنين الشريعة داخل مجمع البحوث الإسلامية عام 1967، كما قدّم الأزهر مشروع دستور إسلامي كامل عام 1978. وبذلك يتضح أن المسار التاريخي أطول وأكثر تعقيدًا مما تقترحه التقسيمات الزمنية التقليدية. وتخلص الدراسة إلى أن الهوية الدستورية المصرية ذات طابع هجين في جوهرها، حيث لا تُفهم الفئات المدنية والدينية بوصفها أضدادًا ثابتة، بل كعناصر يعاد التفاوض حولها باستمرار ضمن صراعات أوسع على سلطة الدولة.

في دراسته "مفهوم الدولة المدنية في الدستور والوثائق السياسية في السودان،" يتتبع الدكتور سامي عبد الحليم سعيد نشأة مفهوم الدولة المدنية ومعناه المتنازَع عليه خلال الفترة الانتقالية في السودان (2019–2021). وتكتسب حالة السودان أهمية خاصة، إذ لم تظهر فكرة الدولة المدنية فيه كجزء موروث من البنية الدستورية، بل كمطلب ثوري صريح صاغته حركة أطاحت بنظام دام ثلاثين عامًا، قائم على أيديولوجيا الإسلام السياسي. ومع ذلك، جاءت الوثائق الانتقالية غامضة دستوريًا في هذه النقاط الجوهرية. فالميثاق الدستوري لعام 2019 أغفل الإشارة الصريحة إلى الدولة المدنية، كما فشل في إرساء آليات رقابة مدنية فعّالة على المؤسسات العسكرية. أما اتفاق جوبا للسلام لعام 2020، فقد تضمن أحكامًا فصلت بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة، دون أن يحدد آليات تنفيذ واضحة. في حين ذهب "إعلان المبادئ" لعام 2021 إلى أبعد من ذلك، إذ نصّ صراحة على حظر وجود دين رسمي للدولة. ويرصد الباحث نمطًا واضحًا: كلما ازدادت قدرة القوى المدنية على التفاوض، أصبحت مضامين الدولة المدنية في النصوص الدستورية أكثر صراحة وتحديدًا. وفي المقابل، كلما احتفظت الأطراف العسكرية بسلطة فعلية، بقيت تلك النصوص بلا أثر عملي، أشبه بنصوص معطلة لا تجد طريقها إلى التطبيق.

محاور مقارنة

تتجلّى ثلاثة محاور مقارنة عبر دراسات الحالات المختلفة.

أولًا، تظهر الدولة المدنية باستمرار بوصفها مرجعًا معياريًا عائمًا، يتحدد محتواه بالسياق أكثر مما يكون معطى مسبقًا. فالتذبذب التونسي بين دستورية مدنية ضمنية وإعادة تأويل ديني، والمطالب المدنية الثورية غير المؤسَّسة في السودان، والتعايش اللبناني بين مدنية دستورية شكلية وممارسة سياسية طائفية، والقمع التأسيسي في سوريا للنشاط المدني الذي يُفترض أن تؤسَّسه الدولة المدنية–كلها حالات تجسّد ما يصوغه الدكتور درويش بوصفه طابع المفهوم: دالًّا كثيفًا، وعائمًا، وفارغًا في آن واحد.

ثانيًا، تتسم العلاقة بين النص الدستوري والواقع السياسي في جميع الحالات بأنها غير متوازنة ومُنتَجة تاريخيًا، ولا يمكن اختزالها في منطق واحد. فالمغرب يُظهر أن الإصلاح الدستوري قد يعمّق التمركز الديني بدل تقليصه. ولبنان يُظهر أن دستورًا مدنيًا من حيث الصياغة يمكن أن يتعايش مع إخضاع دائم للضمانات المدنية لصالح الممارسة الطائفية. ومصر تكشف كيف يمكن أن تتجاور نصوص الحقوق مع الشروط البنيوية التي تعيق تحقيقها في اللحظة الدستورية نفسها. أما سوريا فتُبرز كيف يمكن لإطار قانوني يبدو متّسع أن يُفرَّغ تدريجيًا عبر تراكم إداري ممتد على مدى عقود.

ثالثًا، توثق عدة مساهمات استخدام فاعلين سياسيين للخطاب المدني تحديدًا للالتفاف على المساءلة المدنية. إذ توظف هيئة تحرير الشام لغة الحكم المؤسسي مع احتكار فعلي للسلطة، ويقدّم الحكم الملكي في المغرب نفسه عبر شرعية دستورية مع تركيز السلطة الدينية خارج أي رقابة مؤسسية، بينما وقّعت القيادات العسكرية في السودان وثائق انتقالية تؤكد الدولة المدنية في الوقت الذي تعرقل فيه تحققها الفعلي. وهكذا، لا يُقابل مفهوم الدولة المدنية دائمًا بالرفض، بل يُعاد أحيانًا استيعابه ضمن استراتيجيات الشرعنة ذاتها التي يفترض أن تحدّ من سلطتها.

في ملاحظاته الختامية على ورشة مدريد، التي ينعكس صداها في العدد أكمله، يؤكد الدكتور نمر سلطاني نقطة تُظهرها الدراسات مجتمعة: إن التصميم الدستوري يعمل ضمن حقل من المصالح السياسية المتنافسة، وعدم المساواة الاجتماعية، والقيود المؤسسية. كما أن تباين تأويلات "المدنية" يولّد مسارات دستورية متباينة ليس لأن المفهوم غامض إلى درجة تمنعه من أداء وظيفة تحليلية، بل لأنه يؤدي هذه الوظيفة داخل سياق مشحون بعلاقات القوة.

وتشير مساهمات هذا العدد الخاص إلى أن الدولة المدنية في العالم العربي تعمل على ثلاثة مستويات مترابطة: أولًا، كمفهوم تحليلي غير محدد تمامًا وعلاقاتي بطبيعته، كما يصوغه درويش؛ ثانيًا، كخطاب شرعنة يُستعمل بشكل متكرر على المستوى التداولي من قبل النخب الحاكمة والحركات الإسلامية والفاعلين الانتقاليين على حد سواء؛ وثالثًا، كمشروع بنيوي مقيد على المستوى المؤسسي، يتشكل بفعل أنماط تاريخية راسخة في تكوين الدولة، وإعادة إنتاج النخب، وتصميم الدساتير.

حالة تنازع مستمرة

لا تقدّم الدراسات في هذا العدد جوابًا نهائيًا على التساؤل حول الدولة المدنية، بل تعرض أطروحة مختلفة: فالمفهوم يظل مجالًا مستمرًا للصراع بين تصورات متنافسة للسيادة، وبين نظم معيارية علمانية ودينية، وبين الطموح الدستوري والواقع السياسي، وبين اللغة المدنية وبنى القوة التي قد تخدمها هذه اللغة أو تقوّضها. إنه ليس نموذجًا ثابتًا، بل عملية تفاوض دائمة بين القانون والسلطة والمجتمع.

ويُظهر مجموع الدراسات صورة إقليمية تتسم بإنتاجية مفاهيمية عالية وفي الوقت نفسه بجمود بنيوي عميق. فالشروط البنيوية اللازمة لتحقيق الدولة المدنية ما تزال موضع نزاع شديد وقابلة للانتكاس. إذ أظهرت حالتا تونس 2014 والسودان 2019 أن اللحظات الدستورية يمكن أن تفرز التزامات مدنية صريحة، غير أن تونس 2022 والسودان بعد كانون الأول/أكتوبر 2021 أظهرا أيضًا أن هذه الالتزامات يمكن تفكيكها أو تجاوزها بالقوة.

ومن خلال دمج رؤى وتجارب من مختلف أنحاء المنطقة ، يساهم هذا العدد في تعزيز فهم قائم متجذر على الأدلة التجريبية للدستورية العربية. وهو فهم يجمع بين التعقيد الفكري لمفهوم الدولة المدنية وبين الشروط البنيوية والوقائع التي توسّع من إمكانياته أو تعيقها. وهو فهم لا يقع في فخ اعتبار هذه الشروط ثابتة أو محددة ثقافيًا سلفًا أو محصّنة ضد التنازع السياسي والدستوري، وهو تنازع التاريخ المُستعرض في هذه الدراسات بإسهاب.